TellAmrKhaled.Com TellAmrKhaled.Com
 

 

 

الرئيسية  |  بكرة أحلى  |  وجهات نظر  |  مشروعات  |  اعرف حقك  |  تاريخك  |  صحتك  |  عن الموقع  |  أخبار  |  اتصل بنا

     
  شباب النهضة> تاريخك> شخصيات  
     
  إمام المجددين.. "محمد عبده"

في هذا المقال نطل عبر نظرة سريعة على سيرة رجل مميز للغاية, في صغره رفض أن يتعلم بطريقة عادية تعتمد على الحفظ والإستظهار, في شبابه أحزنه وضع بلاده وأمته وحلم بالنهضة, قضى شبابه يبحث عن الحل, جرب عدة حلول منها ممارسة السياسة والصحافة وحلول أخرى, سافر العديد من البلاد العربية والأجنبية من أجل قضيته, وفي نهاية حياته وجد الحل الذي ستأتي النهضة عبره, وبدأ التجهيز لمشروعه وحلمه بالفعل.. لكن أمورا حدثت.

تابع في هذه الدراسة, سيرة إمام المجددين, الإمام محمد عبده, ولاحظ مدى الشبه بين عمله وبين العمل الذي نرغب -نحن محبي النهضة- في تحقيقه, وابذل جهدك لتتعلم ولتعلم الآخرين من الدروس العديدة التي تقدمها هذه السيرة الغالية.

(ملاحظة: يعتمد المقال التالي تماما على مقتطفات من كتاب "عبقري الإصلاح" للكاتب الكبير عباس محمود العقاد, المقتطفات معروضة باللون الأسود, وتعليقات المحرر باللون الأزرق)

[أعلى الصفحة]

نشأة الإمام محمد عبده

إمام المجددين والمصلحين لهذا العصر.. الشيخ محمد عبده واسمه بالكامل محمد بن عبده بن حسن خير الله التركماني والذي ولد في العام 1849 في قرية محلة نصر بمحافظة البحيرة.

الإمام محمد عبده  كتاب: محمد عبده عبقري الإصلاح.. لعباس محمود العقاد

ومن الأخبار القليلة التي رويت لنا عن محلة نصر نعلم أنها – على صغرها- قرية ذات أسر مسماة وبيوت منسوبة, وان أسرة التركماني من أسرها الثلاث المعدودة كان لها بيت كبير فيها بغير باب تعيش فيه أكثر من "عائلة" واحدة من عائالات الأسرة الكبيرة. وترك الدار الكبيرة بغير باب في لاريف علامة في وقت واحد على الكرم المقصود والجوار المرهوبو فلا تقام السدود في وجه الضيف الغريب ولا يجترئ المعتدي على اقتحام الدار على كره أهلها. وتلك آية الكرم والمنعة في كل رعرف وكل بيئة, فليس للبيت مكنة ورائ مكانة الموئل الذي لا يغلق ولا يتباح.

ويروي الأستاذ الإمام من ذكريات طفولته أنه كان قبل أن يدرك معنى الكرم والمنعة يرى أن الكبراء من زوار القرية ينزلون في بيته ضيوفا على أبيه ولا يذهبون إلى بيت العمدة وهو أغنى من أبيه وأقرب إلى مقام الرئاسة في الحكومة, وكان أبوه يأكل مع الضيوف ولا يأكل مع أهله في الدار. فإذا خلا البيت من الضيوف تناول طعامه وحده على حكم هذه العادة. فكان الطفل الضغير يضيف هذا الإنفراد إلى سمت الوقار الذي يرعاه لأبيه. ويحسبه أكبر رجل في الدنيا. لأنه لا يعرف من الدنيا غير محلة نصر وما جاورها من شبيهاتها في الإقليم المحدود.

وكل أبناء القرى تروي لنا عن هذه الأسرة أنها كانت تنشأ على الفروسية وتحمل السلاح وتتعرض للشبهة والمطاردة, بل للسجن والمصادرة من جراء هذه الخصلة المتأصلة فيها, ومن أنباء الأسرة في جيلين قريبين تعلم أنها لم تكن قط تستكين إلى المقام في موطنها على كره ومهانة. فلا يزال البارزون من أبنائها بين مقام مرض في ديارهم أو إيثار للهجة والاغتراب, إن لم يقعدهم عنها السجن والإعتقال.

وكما يتبين لنا مما سبق فإن الإمام نشأ في أسرة كريمة تعشق الحق والحرية وتكره الذل والمهانة. 

[أعلى الصفحة]

ظروف تعليم الإمام

كان في نحو السابعة حين ابتدأ بتعلم الكتابة والقراءة, فكان في قريبته الصغيرة أمام طريقتين في هذه المرحلة الأولى من مراحل التعليم: طريقة السوط والفلقة وصياح العشرات من الصبية بين جدران المكتب العتيق, وطريقة التعلم في البيت بين يدي أستاذ واحد من أهله يفهمه ويعني بتفهمه ويعز عليه أن يعنته بالسوط والفلقة وجلبة الصياح في مكان كالمكان الذي يختار للمكتب في ذلك الزمن. فكان من حظه أن يتعلم حروفه الأولى على أفضل الطريقتين.

وارتقى إلى المرحلة الثانية من مراحل التعليم في القرية وهي حفظ القرآن, لم يتعلمه في المكتب العتيق مأخوذا بقسوة الضرب والشتم, مرتاضا على الترديد مع زملاء له يحفظون غير حفظه ويرددون غير ترديده, ويستعينون بالحركة الآلية على هذا الحفظ الآلي الذي لا يعقله الأستاذ ولا التلاميذ, بل هو قد حفظ منه ما استطاع أهله أن يعلموه في البيت, ثم أسلموه إلى الحافظ المعتقد الذي يقرأ الكتاب مع تلميذه الوحيد قراءة بعد قراءة, قبل أن يأخذه باستظهاره من فاتحته إلى ختمامه مقروءا أو غير مقروئ, لا فرق بين تعليم الضرير وهو لا ينظر إلى الصفحة وتعليم البصير الذي ينظر إلى الكلمات والآيات فيدرك جهده من الإدارك معنى الإنتقال من آية إلى آية, ويستعيده للفهم جهده قبل أن يستعيده للحفظ والاستظهار.. فكان في هذه أيضا محدودا موفقا إلى أمثل الطريقتين, وفضله في مثل هذه السن أنه وافق هذه الطريقة باستعداده للمضى فيها إلى غايتها, ولم ينفر منها كما نفر من التعليم- وهو أكبر من تلك سنا- لأنه تعليم معيب.

ثم ألقى نفسه مترددا عند مفترق الطريقين أيضا على فجوة أوسع من كل فجوة مرت به منذ اختبر التعليم في البيت أو عند حافظ القرآن.

ألقى نفسه على مفترق الطريقين بين دروس المسجد الأحمدي يوم ذاك ودروس قريبه الصوفي الحكيم الشيخ درويش بكنيسة أورين.

ألقى نفسه بين طريقة الأذون والذاكرة, وطريقة الذهن والوجدان:

في الطريقة الأولى يبتدئ المعلم بتدريس النحو لجمع من التلاميذ الذين يجهلون كل شئ عنه, فيلقي عليهم في أول درس ومن أول صفحة إعراب: بسم الله الرحمن الرحيم, ويحدثهم عن حرف الجر وعن الاسم المجرور وعن المضاف والمضاف إليه وعن النعت ومطابقة الوصف للموصوف, وكأنهم قد فرغوا من دروس العربية كلها قبل أن يقرءوا البسملة على بابها الأول.. فمن وعى ما سمع فقد أدركته بركة العلم والمسجد, ومن لم يع شيئا مما سمع فذلك عندهم مطموس محجوب عن البركة والفائدة.

وهذه هي الطريقة التي سميناها بطريقة الأذن والذاكرة, لأن أساتذتها يخاطبون في تلميذهم أذنا تسمع الكلمات وذاكرة تثبتها كما هي وتعيدها كما سمعتها, ولا يعنيهم منه بعد ذلك أن يكون له ذهن يفهم ويتصرف فيما يفهم, أو وجدان يستضئ بنور المعرفة المفهومة ويستلذ الشعور بما وعاه منها.

وقد عاف الفتى الناشئ هذه الطريقة ولم يستطع أن يغالط نفسه في حقيقتها وإنما يفعل ذلك أحد اثنين من الطلاب: طالب مغلق الذهن عن كل معرفة مفهومة أو غير مفهومة, فهو عاجز عن الاستماع إلى ما يفهم وما لا يفهم مما يلقى على أذنيه, فلا يلبث بعد معالجة الحفظ والمراجعة زمنا أن يسلم الأمر تسليم اليائس لأنه من أولئك المطموسين "لم يفتح عليهم" وليس لهم من العلم نصيب مقدور.

والطالب الآخر الذي يذهد في تلك الطريقة ولا يغالط في حقيقتها هو صاحب الذهن الذي يتطلب الفهم والوجدان والذي يلمح النور إذا رآه, فإن لم يجدهما في ساحة الدرس لم يبال أن يتركه لما هو أقدر عليه من شواغل حياته, وبخاصة حين تكون الشواغل رياضة كرياضة الفروسية تستريح إليها كل نفس حية وكل طبع سليم, وعملا كعمل الزراعة يقوى عليه صاحب الجسد في العمل وصاحب البنية التي تحتمل الجهد ولا تعيبها المشقة.

ولعمري إن من بواكير العظمة المستقلة في هذا الفتى الناشئ أن يركن إلى عقله في الحكم على هذه الطريقة بالعقم ولا يستسهل قبل ذلك أن يتهم عقله وأن يصنع ما صنع الألوف من قبله في مثل بدايته, فإنهم كانوا يكبرون أن يعيبوا هذا التعليم وهو محفوف بتلك الهالة الرهوبة التي تحف باسم المعهد الأحمدي وأسماء العلماء الذي يجلسون للتعليم فيه, ومن اسم السيد البدوي تستعبد تلك الطريقة هيبتها وهو ثاو في ضريحه براء منها, وأنه كما قال الشيخ مصطفى عبد الرزاق في ترجمته للأستاذ الإمام: "أشهر أولياء القطر المصري وصيته وكراماته ذائعة في أنحاء وادي النيل, وللناس فيه اعتقاد, ولزائريه من صور التوسل والزلفى ما لا يخلو من إسراف".

الشيخ مصطفى عبد الرازق

وبهذا يتضح لنا كيف أن القدر يهيى له الطريق ليصبح إمام المجددين

[أعلى الصفحة]

الظروف الإجتماعية والسياسية في عهد الإمام

بعد نفيه إثر اتهامه بالإشتراك في الثورة العرابية إلى بيروت.. لم يلبث أن لحق بأستاذه السيد جمال الدين الأفغاني إلى باريس.

فإن الشيخ قد عول على اللحاق بأستاذه في باريس بعد أن أقام بمدينة بيروت عاما أو أكثر من عام, ولحق بأستاذه لإصدار صحيفة سياسية تشن الحملة على الإستعمار وتعمل لإثارة الشعوب المغلوبة عليه, وكان مجازفة من الشيخ لم يكترث لعواقبها الوبيلة عليه وعلى ذويه, ومنها فراق أطفاله الصغار وإطالة أجل النفي عن بلاده من ثلاث سنوات كادت تنقضي إلى غير نهاية موقوتة, مع المعيشة بغوائل الفاقة والمكيدة في ديار الغربة التي تجمعها عصبية المنفعة على كل من يكافح الاستعمار ولو في بلاد غير بلاده.

السيد/ جمال الدين الأفغاني  كتاب: جمال الدين الأفغاني للدكتور محمد عمارة

على أن الحكيمين قد بقيا معا في القارة الأوربية زمنا يسيرا يعملان بين باريس ولندن في مراقبة المسائل الشرقية عن نظرها في دوائر العاصمتين أو الكتابة عنها في الصحف السياسية, وكانا قد اضطرا إلى تعطيل صحيفة العروة والوثقى ولما ينقضي على صدورها أكثر من ثمانية شهور خلال سنة ( 1301 هجرية و 1884 ميلادية) ظهر في أثنائها ثمانية عشر عددا ثم احتجبت على كره من الأستاذين لأنها صودرت في جميع البلاد الإسلامية واتفقت على مصادرتها حكومات الدول الأجنبية وحكومات الملوك والأمراء  الشرقيين لأنها كانت تحارب الحكم الأجنبي بجميع مساوئه كما كانت تحارب استبداد الحاكم الوطني وفساد أعوانه ورجاله, وكانت تبدئ القول وتعيد في الإنحاء على رؤساء الأمم المستعبدة من أبنائها لأن استعباده هذه الأمم إنما يكون بقوة رؤسائها, وربما كان من أسباب تعطيل الصحيفة أنها كانت تتخذ في البلاد التي تصل إليها دليلا على أعضائ الجمعية الذي يتلقون أعدادها ويتولون توزيعها, فحيثما وصلت الأعداد مجموعة إلى جهة من الجهات فهناك الشبهة فيمن تصل إليه ومن وراءه الشبهة مصادرة الدولة ومتابعة التضييق والإرهاق حيث لا عصام من القانون ولا حماية من سلطان الرأي العام المكبوت, أن لم يكن محجوبا عن الأخبار العامة بالكتمان والسكوت.

ولبث السيد جمال الدين الأفغاني قليلا في عواصم الغرب يواصل دعوته على خلاف الإمام

أما الشيخ محمد عبده فقد عاد إلى بيروت وهو يزداد إيمانا بعقهم المحاولات السياسية وضعف الأمل في الملوك والأمراء ووجوب التعويل بعد هذه المحاولات العقيمة على الأمم دون غيرها, وحصر الأمل كله في إعداد هذه الأمم للنهضة والمقاومة بعدة العلم الصحيح والتربية الإجتماعية الصالحة. وقد أبرأ ذمته وأعطى سياسة أستاذه كل حقها من الرعاية والإخلاص, ولكنه اتخذ من الأرزاء التي ابتلى بها أستاذه على أيدي الأمراء والملوك حجة جديدة على ضعف الأمل فيهم.

وقد كان الإمام يقول لتلاميذه

وقد كان يقول لتلاميذه الفقهاء والأدباء من أمثال العالم الديني السيد رشيد رضا والشاعر الوطني حافظ إبراهيم إن السياسة ضيعت علينا أضعاف ما أفادتنا و "إن السيد جمال الدين كان صاحب اقتدار عجيب لو صرفه ووجهه للتعليم والتربية لأفاد الإسلام أكبر فائدة, وقد عرضت عليه حين كنا في باريس أن نترك السياسة ونذهب إلى مكان بعيد عن مراقبة الحكومات ونعلم ونربي من نختار من التلاميذ على مشربنا. فلا تمضي عشر سنين إلى ويكون عندنا عدد من التلاميذ الذين يتبعوننا في ترك أوطانهم والسير في الأرض لنشر الإصلاح المطلوب, فينتشر أحسن الانتشار, فقال: إنما أنت مثبط".

[أعلى الصفحة]

الإمام يحلم بالنهضة

نأتي الآن لحلم الإمام الذي ظل يحلم به طوال حياته بعد تجارب كثيرة استنتج منها الطريق للنهضة المنشودة.

وقد اتبع أستاذه جمال الدين في حملات الإصلاح من طريق السياسة وعلى أيدي الأمراء والملوك الذين توسما فيهما صدق الرغبة في استجابة الدعوة, فلما بلغا بهذه الحملات المتداركة غاية مطافها, عاد التلميذ يراجع أستاذه فيما هو أقوى وأجدى وقال له روي صاحب المنار:

" أرى أن نترك السياسة ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض لا يعرفنا فيه أحد, نختار من أهله عشرة غلمان أو أكثر من الأذكياء السليمي الفطرة, فنربيهم على منهجنا ونوجه وجهوههم إلى مقصدنا, فإذا أتيح لكل واحد منهم تربية عشرة آخرين لا تمضي بضع سنين أخرى إلا ولدينا مائة قائد من قواد الجهاد في سبيل الإصلاح, ومن أمثال هؤلاء يرجى الفلاح".

ولو أننا ألقينا على لسانه كلاما يقوله في هداية التعليم كالذي قاله في ضلال السياسة لخلناه قائما قاعدا يقول: "بارك الله في العلم والتعليم, وفي علم وتعلم, وفي عالم وعليم ومعلوم, وفي كل حرف من حروف العين واللام والميم!".

الإمام محمد عبده في شبابه

وإنما المسألة هي مسألة هذا المصلح القدير على الإصلاح, وأي الخطتين يختار, وأيتهما ترجى منه منفعتها, ويؤمن فيها على وقته وجهده من الضياغ والفوات.

إن هذا المصلح الذي تمت له عدة الإصلاح وقيادة الأمة في طريق التقدم والحرية قد جرب السياسة فلم تثمر له ثمرة يرضاها.

إنه آمن بأن عمل السنين في السياسة والاعتماد على الساسة قد يضيع ولا يبقى من أثره ما ينفع, بل قد يبقى من أثره ما يضر ولا تمحو ضيره الأيام والسنون, ولكن عمل السنين في تربية الأمة وتعليمها لن يضيع ولن يذهب سدى, ولن يندم عليه العامل ولا الأمة التي يعمل لها, قصرت بها الطريق أو طالت إلى غايتها من التقدم والحرية.

لكن القدر لم يمهله..

أما الرجل المغضوب عليه لأنه مصاب بداء الإصلاح.. فقد لاحقه ذلك الداء العضال إلى عقر داره بعين شمس, ففارق الجامعة الأزهرية وهو يفكر في خطته الأولى التي اقترحها على أستاذة السيد جمال الدين في مقتبل صباه, وراح يعد العدة لافتتاح مدرسته إلى جوار بيته لتخريج الدعاة ورسل الإصلاح ممن يتقبل دعوته ويؤمن بمقاصده, وتمت العدة لذلك, أو كادت, لو لم تدركه المنية قبل موسم العمل, فقضى نحبه صيف ذلك العام بعد اعتزاله إدارة الأزهر بثلاثة شهور.

هل نستطيع نحن أن نحقق حلم الإمام؟؟ هل نقبل أن نتعلم ونعلم الآخرين كيف نحقق النهضة؟؟ هل يصبح برنامج صناع الحياة الجديد "المجددون" خطوة على طريق الحلم؟؟

[أعلى الصفحة]

تقدير الجميع لشخصية الإمام

وفي مصر كانت مبادئ المصلح الحكيم تسري سريانها العميق إلى العقول الفتية وعقول الكبار من ذوي النيات السليمة, وكانت تستقر على أسسها في الوقت الذي خيل فيه إلى المستمعين لضجيج السعاية أن الأمة قد أعرضت عنه بأسماعها وقلوبها, وأن حملات التشهير قد نالت من سمعته منالا يصرف الناس عن الاكتراث له والمبالاة بعلمه وعمله, وأملي للمتوهمين في وهمهم هذا أن الدعوات الفكرية لا تبرزها الحشود الجامعة كما تبرزها دعوات الحوادث السياسية, فإذا سرت إلى العقول متفرقة لم تظهر في الأمة مجتمعة إلا بما يكون لها من النتائج العامة في الزمن الطويل, ولكن المصيبة بفقد المفتي بعد اعتزاله إدارة الأزهر هيأت لهذه الدعوة الفكرية حشودها الجامعة التي لن تتهيأ قبل ذلك لدعوة من الدعوات السياسية في الأمور التي تشغل أذهان الجماهير, ولم يكن للمفتي الفقيد حزب ذو أداة منتظمة تسخر أعوانه لجمع الجموع وتسيير المواكب, بل كان صاحب السلطة الرسمية يعاديه ويغضب على مشيعيه, وكانت صفحة الفقيد الدينية لا تدع مكانا للسلطة الفعلية في تشييعه والاحتفال بجنازته, وكان الوقت صيفا قائظا والغائبون عن المدن معتادي الاصطياف خارج القطر وفي قرى الريف أكثر من الحاضرين, فغلبت الصبغة القومية على كل صبغة رسمية أو تقليدية في تشييع رفات المفتي إلى مقره الأخير من الإسكندرية إلى القاهرة, بل غلبت الصبغة على الصبغة التقليدية التي تعودناها بمصر في تشييع الجنازات, إذا كان المفتي في حياته ينكر هذه المظاهر التقليدية ويعلن النهى عنها, فكانت موجة الحزن التي غشيت ألوف المشيعين على طول الطريق دفعة من أعماق القلوب والضمائر عرفت بها الأمة مبلغ شعورها بعظمة الفقيد الراحل وعظم الخسارة بفقده, وجاوز الزحام كل ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها في المدينتين من الصباح الباكر قبل خروج النعش من داره, فتعطلت حركة الأسواق وأغلقت الدكاكين أبوابها للمشاركة في موكب الجنازة, واكتظت الأرصفة بالواقفين والسائرين, ولم يبق أحد في العاصمتين من ذوي الفكر والمنزلة لم يشترك في ذلك الموكب الحافل الذي عمت التعزية فيه وجلت أن تخص عشيرة الفقيد أو ذويه, ولم يدهش أحد من هذه البادرة القومية بطبيعة الحال, كما دهش لها النزلاء الأوربيون الذين كانوا يتسمعون أخبار المعارك حول الإصلاح الديني من بعيد ويحكمون عليها بمقدار ما ينتهي إليهم من لغط الصحافة وأقاويل المرجفين, فقالت صحيفة الفاردي ألكسندري: "إن توارد الجماهير لتشييع الجنازة يخمد أنفاس القائلين بأن المفتي لم يكن محبوبا في الأمة المصرية", وقالت صحيفة ليجيبت: "إنه مشهد مهيب من جل المشاهد وأشدها تأثيرا في النفوس, كان يشتد زحامه بجماهير الناس المصطفين على جوانب الطريق التي مر بها حتى لقد توقفت حركة التجارة فيها, وكان الناس في سكون وإجلال خلال مرور الجنازة, يخيل إلى الرائي أن جميع سكان القاهرة الوطنيين قد حضروا ليؤدوا آخر فرية من الإجلال والإعظام لذلك الشيخ الجليل, وبينهم عدد عظيم من الأوربيين".

[أعلى الصفحة]

من تلاميذ الإمام

وقد تمخضت هذه البادرة القومية عن معناها العملي الدائم, ولا يمكن أن يكون لها غير معنى واحد هو الذي شوهد في واقع الحياة القومية بعد ذلك وبرزت حقيقته في كل مهمة تتطلب الرجال العاملين من المفكرين المؤمنين بفريضة الإصلاح ورسالة التقدم, فقد شوهد تلاميذ المصلح الكبير على رأس كل حركة جادة من حركات النهضة الوطنية أو الفكرية, وتلفتت الأمة بعد وفاته تبحث عن القادة العاملين فلم تجد بين المتقدمين للقيادة من هو أقدر على قيادتها وتسديد خطاها وتقرير مطالبها من زمرة الفقيد وخيرة أشياعه وتلاميذه ومريديه, لا فرق في ذلك بين شئون الدنيا وشئون الدين, وحسب القارئ ما يمكن حصره في الشئون الدينية التي تتصل بالجامع الأزهر ومعاهد التعليم على منهجه, فلم يكن أظهر بين مشايخه وأقطابه من الشيخ محمد شاكر والشيخ مصطفى المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق والشيخ إبراهيم حمروش والشيخ محمود شلتوت, وكلهم من مريديه المؤمنين برسالته, وغيرهم كثيرون مثلهم وإن لم يحضروا كلهم على يديه, أما في شئون النهضة الوطنية على اختلافها فلا حاجة إلى التخصيص باسم واحد من أسمائها أو فرع واحد من فروعها, فكلها بلا استثناء تقترن باسم- أو أكثر من اسم- بين شيعة الأستاذ الإمام, وقد كانت ثورة مصر الكبرى على الحملة البريطانية بعد الحرب العالمية الأولى- بزعامة سعد زغلول- مثالا للأمانة الخلقية والنفسية التى أودعها الأستاذ الإمام في نفوس شيعته وخاصة صحبه, وأهلتهم في نطاقها الواسع لتلك المهمة الجامعة, كما أهلتهم لما دونها من المهام المتفرقة في كل نطاق محدود.

الشيخ مصطفى المراغي  الزعيم سعد زغلول  الشيخ محمود شلتوت  الشيخ إبراهيم حمروش

[أعلى الصفحة]

كيف تعامل الإمام مع الغرب (من أشهر المواقف)

(1)

كانت ردوده على رينان وهانوتو ردود من يعلم ما قد علموه عن تواريخ الحضارات وخصائص الشعوب وطبائع الأجناس والسلالات ويزيد عليهم بالإيمان الثابت والأريحية الإنسانية والهمة التي ترفعه إلى مقام الرسالة الروحية. إذ لا رسالة لأمثال رينان وهانوتو في عالم العقيدة ولا في عالم الإصلاح. وقد كاد- قدس الله روحه- أعلى طبقة من مناظريه في مضمار المناظرة بين المعسكرين المتقاتلين, فكان رينان وهانونو يقابلان بين الإسلام والمسيحية ليقابلا بين المسلمين والمسيحيين الأوربيين خاصة, ويقابلا بعد ذلك بين دعوى الغالب ودعوى المغلوب ولم ينزل الأستاذ الإمام إلى مضمارهم إلا ليدفع عن عقيدة الإسلام دون أن يفدح في عقيدة المسيحية, بل كان دفاعه عن الإسلام في وجه الأوربيين المصطبغين بالصبغة المسيحية وهم أبعد ما يكونون عن المسيحية السمحة كما يعرفها الأستاذ الإمام.. ولم يخرج من ردوده بتنزيه الإسلام وتشويه المسيحية.. بل خرج منها جميعا بتنزيه الديانتين وإثبات الحقيقة التي يدين بها من يدين بكتاب الإسلام: وهي أن المسيحية ديانة محبوبة لا عداوة بين من يدين بها على أصولها ومن يدين بالإسلام على أصوله, ولا يحرم على المسلم يوما أن يصاحب أهل الكتاب على سنة أهل الكتاب.

جابرييل هانوتو  إرنست رينان

وقد ألهم فضلاء المسيحين ذلك من وحي فكره ووحي اعتقاده ووحي كلامه في تفسير القرآن وشرحه للدين في كل موطن أقام به أو رحل إليه, فكان أدباء المسيحيين يتسابقون إلى دروسه بمساجد بيروت أيام منفاه, وكان القس الإنجليزي إسحاق تايلور يرى أن شرح المسيحية كما يبسطه الأستاذ الإمام يوشك أن يعينه على إقناع الأوربيين بالتوحيد بين الديانتين على الجادة الوسطى التي يلتقي لديها المؤمن بالأناجيل والمؤمن بالقرآن, وعبر العلامة يعقوب صروف تعبيره الصادق عن شعور فضلاء المسيحيين يوم قال ساعة دفن الأستاذ الإمام لمن حوله من تلاميذه: "إني أسمعكم تقولون فقيد الإسلام والمسلمين ولا تزيدون, إنه فقيد الفكر والعلم حيث كان.. إنه فقيدنا أجمعين".

 (2)

وعناصر الكيان الإجتماعي عنده- كما عددها في رده على هانونو سبعة: هي العلم والأدب والتجارة والصناعة والعدل والدين والسلاح. فليس قيام الكيان الإجتماعي على الأخلاق في رأيه سهوا عن عمل التجارة والصاناعة ولا عن عمل النظام العادل في سياسة الناس, ولكنه كان يعتبر أن الجهل فقر أشد على الناس من فقر المال, وهو القائل في إحدى خطب الجمعية الخيرية: "إن بلاده ليست بلاد الجوع القتال ولا بلاد البر القارس المميت, ولا بلاد الشقاء التي لا ينال الإنسان فيها قوت يومه إلا بالعذاب الأليم, بل نحن في بلاد رزقها الله سعة من العيش ومنحها خصوبة وغنى يسهلان على كل عائش فيها قطع أيام الحياة بالراحة والسعة, ولكنها ويا للأسف منيت مع ذلك بأشد ضروب الفقر, فقر العقول والتربية".

(3)

والعلم في رأي الأستاذ الإمام سبب من أسباب الثروة والقوة وسبب من أسباب المعرفة الذهنية التي تبصر العقل بأدوات النجاح في أعمال المعيشة, ولكن التربية الأخلاقية شئ آخر غير المعرفة الذهنية. ولا سيما المعرفة التي تتأذي آخر الأمر إلى الإيمان بالمادة دون غيرها, وهو ما يسمونه بالفلسفة المادية, وقد لمس الأستاذ الإمام آيار هذه الفلسفة المادية في حضارة الغرب فأشفق من عواقبها على بني الإنسان وزادته اعتقادا بضرورة الدين لصلاح النفوس البشرية وهداية الأمم في حياتها الإجتماعية. وأكدت له هذه الضرورة مناقشته لفيلسوف الإنجليزي هربرت سبنسر (سنة 1903) إذ قال له الفيلسوف الإنجليزي: إن الإنجليز يرجعون القهقري فهم الآن دون ما كانوا عليه منذ عشرين سنة, فسأله الإستاذ الإمام: وفيم هذه القهقري؟ قال سبنسر: إنهم "يرجعون القهقري في الأخلاق والفضيلة, وسبب تقدم الأفكار المادية التي أفسدت أخلاق اللاتين من قبل, ثم سرت إليها عدواها , في تفسد أخلاق قومنا وهكذا سائر شعوب أوربة" ثم قال: إنه لا أمل له في صد هذا التيار" لأنه لا بد أن يأخذ مده إلى غاية حده في أوربة, إن الحق عند أهل أوربة الآن للقوة".

هربرت سبنسر

وفارق الأستاذ الإمام دار الفيلسوف وهو يدير في خاطره كلمة الحق للقوة ويصف أثرها في نفسه ويحس أنها ما كانت لتحدث لديه هذا الأثر لو جاءت من ثرثارة يهرف بما لا يعرف ثم يدون هذه الخاطرة في مذكراته:

"هؤلاء الفلاسفة والعملاء الذين اكتشفوا كثيرا مما يفيد في راحة الإنساءن, أعجزهم أن يكتشفوا طبيعة الإنساءن ويعرضوها عليه حتى يعرفها ويعود إليها هؤلاء الذين صقلوا المعادن حتى كانت من الحديد اللامع المضئ أفلا يتيسر لهم أن يجلوا ذلك الصدأ الذي غشي الفطرة الإنسانية وصقلوا تلك النفوس حتى يعود لها لمعانها الروحاني؟, حار الفيلسوف في أوربة وأظهر عجزه مع قوة العلم فأين الدواء؟ الرجوع إلى الدين, الدين هو الذي كشف الطبيعة الإنسانية وعرفها إلى أربابها في كل زمان, لكنهم يعودون فيجهلونها".

[أعلى الصفحة]

تعلم المزيد (روابط ومراجع)

[أعلى الصفحة]


 


شارك الموضوع على فيسبوك

 

 
     
     
  مواضيع متعلقة:  
 
 

TellAmrKhaled.Com

 
   
 
 
TellAmrKhaled.Com

 | عن الموقع | عن مشروع "أضف للبشرية" | اتصل بإدارة الموقع | بيانات إعلامية

Developed By:

Andalus Software Production أندلس للإنتاج الرقمي